أثار ترامب أزمة تجارية ودفاعية: كيف ينبغي لمودي أن يرد؟

Aug 27th 2025

من النادر أن يعيش المرء الإذلال، والانتصار، واختبارًا مصيريًا في آنٍ واحد. لكن هذا هو حال الهند اليوم. فقد ألغى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما يقارب خمسةً وعشرين عامًا من الدبلوماسية، حينما احتضن باكستان بعد صراعها مع الهند في مايو، ثم استهدف الهند بتعريفات جمركية أعلى حتى من تلك المفروضة على الصين. يبدو أنه لم يفكر مليًا في كيفية ردّ أكبر دولة من حيث عدد السكان وخامس أكبر اقتصاد في العالم.

رسم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي مؤخرًا مسارًا لهندٍ أكثر قوة واعتمادًا على الذات. وهو على وشك لقاء شي جين بينغ في الصين، بعد أربع سنوات من التوتر العسكري المرير بين الهند والصين في جبال الهيمالايا. إن إبعاد الهند عن أمريكا يُعدّ خطأً جسيمًا. أما بالنسبة للهند، فهذه لحظة فارقة: اختبار حقيقي لادعائها بأنها قوة عظمى قيد التشكّل.

إذلال ترامب للهند له وجهان. ففي 27 أغسطس، وبعد أن أدانها لشرائها النفط الروسي، فرض الرئيس الأمريكي رسومًا جمركية إضافية بنسبة 25% فوق التعريفة الحالية البالغة 25% على السلع الهندية. صحيح أن شراء النفط الروسي يُعدّ تصرفًا مريبًا، لكن الهند تفعله ضمن آلية سقف الأسعار التي يديرها الغرب، وهي تبيع منتجاتها النفطية المكررة لأوروبا، كما أن دولًا عديدة، منها الصين، تشتري النفط الروسي أيضًا. لذا يبدو أن الهند قد استُهدفت بعقوبة خاصة.

أما الوجه الآخر للإذلال، فهو تقارب ترامب مع باكستان. فبعد هجوم إرهابي في الهند اتهم فيه مودي باكستان، اندلعت مناوشات بين البلدين استمرت أربعة أيام، شاركت فيها أكثر من مئة طائرة حربية، وأثارت مخاوف من مواجهة نووية. ومع ذلك، فإن ترامب الآن يستكشف صفقات في مجال العملات الرقمية والتعدين في باكستان، وقد تناول العشاء في البيت الأبيض مع المشير عاصم منير، قائد الجيش المتشدد والحاكم الفعلي لباكستان، الذي رشّح ترامب لجائزة نوبل للسلام. كما عرضت أمريكا الوساطة في قضية كشمير، متجاوزة بذلك موقفها التقليدي ومحظورًا هنديًا راسخًا.

إن فشل أمريكا في دعم الهند في قضية أمنية جوهرية، وقرارها بمعاقبتها تجاريًا، قد دمّر الثقة بين الهنود. فمنذ عام 2004، رحّب رؤساء أمريكا بالهند كقوة ديمقراطية صاعدة تقف في وجه الهيمنة الصينية على آسيا. ويبلغ حجم اقتصادها 4 تريليونات دولار، وسوقها المالية 5 تريليونات، مقارنةً بباكستان الغارقة في عدم الاستقرار، وأزمات الديون، والإرهاب، والاعتماد على الصين. إنه هدفٌ ذاتيٌ جسيمٌ يُلحق الضرر بالمصالح الأمريكية، ويزيد من إهمالها لحلف الناتو في أوروبا.

وهذا ما يفسر الشعور الثاني لدى بعض الهنود: الانتصار المعنوي. فمنذ استقلالها عام 1947، تجنبت الهند الدخول في تحالفات، وإن تغيّر اسم سياستها من “عدم الانحياز” إلى “تعددية الانحياز”. فهي تعتمد على روسيا في بعض الأسلحة، وعلى أوروبا وإسرائيل وأمريكا في أخرى. وتستورد من الصين مستلزمات التصنيع، ومن الغرب التكنولوجيا والأسواق.

لكن في عام 2020، وبعد تجميد العلاقات مع الصين إثر المناوشات الحدودية، راود بعض المسؤولين في واشنطن الأمل في أن يكون ذلك مقدمة لتحالف شبه رسمي مع أمريكا. وقد تم تبادل المعلومات الاستخباراتية، وأُجريت تدريبات عسكرية مشتركة بين الهند وأمريكا، بمشاركة اليابان وأستراليا، مما أدى إلى اتفاق استراتيجي في عام 2024 لتعزيز التعاون الدفاعي.

الهنود المتشككون في الانخراط العالمي يشعرون الآن بأنهم كانوا على حق. وكما حذّروا دائمًا، فإن الاعتماد على أمريكا أمرٌ محفوفٌ بالمخاطر. وزيارة مودي إلى الصين تهدف إلى إيصال رسالة واضحة: للهند خيارات أخرى.

الإذلال والانتصار يشكلان اختبارًا لقدرات الهند وصلابتها. فقد سعى مودي على مدى أحد عشر عامًا إلى بناء الدولة، وتحديثها، وتركيز السلطة. وقد واجه انتكاسات، منها ضعف نتائج حملة التصنيع، وفشلها في خلق الوظائف المطلوبة، ورداءة النظام التعليمي، وانزلاقه أحيانًا نحو النزعة الهندوسية المتعصبة.

لكن هناك نجاحات أيضًا: الطرق والمطارات الجديدة، ومنصات الدفع الرقمي والضرائب، خلقت سوقًا موحدة ضخمة. والنظام المالي بات أقوى، بأسواق رأسمالية عميقة قائمة على الادخار المحلي، وحساب جارٍ شبه متوازن، وبنوك تتسم بالحذر. ورغم أن الهند لم تعد الوجهة المفضلة لسلاسل التوريد ضمن استراتيجية “الصين زائد واحد”، فإن هذه الإنجازات ستساعدها على تجاوز الصدمة التجارية. ومن المتوقع أن يظل النمو فوق 6%، مما يجعلها أكثر الاقتصادات الكبرى ديناميكية، ويتوقع صندوق النقد الدولي أن تصبح ثالث أكبر اقتصاد عالمي بحلول عام 2028.

الخطر يكمن في أن عدوانية أمريكا قد تُحيي نزعة الانغلاق الاقتصادي ومعاداة الغرب. ففي خطابه بمناسبة يوم الاستقلال من القلعة الحمراء في دلهي يوم 15 أغسطس، شدّد مودي على الاعتماد على الذات. لكن إذا مضت الهند أبعد من ذلك وانغلقت على نفسها، فإن ذلك سيهدد قطاع الخدمات لديها، الذي يصدر ما يقارب مجموع صادرات القطاعات الأخرى مجتمعة. وتحقق شركات الخدمات التقنية نصف مبيعاتها على الأقل من السوق الأمريكية، بما في ذلك الشركات الكبرى التي تمتلك “مراكز القدرات العالمية” في الهند. كما أن الهند تُعدّ ثاني أكبر سوق لـ OpenAI من حيث عدد المستخدمين. ولتسريع التصنيع، تحتاج الهند إلى استيراد المزيد من الآلات والمكونات من الصين.

من الأفضل للهند أن تسعى إلى تقليل الأضرار. عليها تقديم تنازلات عقلانية، منها خفض التعريفات الجمركية، وتقليل شراء النفط الروسي، وزيادة استيراد الغاز الطبيعي الأمريكي. لا تزال هناك روابط متينة بين الهند وأمريكا، منها الجالية الهندية الكبيرة في الولايات المتحدة. وزيارة مودي إلى الصين خطوة صائبة: فتعزيز التصنيع الهندي في العقد المقبل يتطلب علاقات تجارية أوثق مع الصين، إلى جانب التكنولوجيا الأمريكية. وينبغي له السعي إلى اتفاقيات تجارية جديدة، تضاف إلى تلك التي أبرمت مؤخرًا مع بريطانيا والإمارات.

نظرة إلى الخارج لإصلاح الداخل

الأولوية الثانية يجب أن تكون الإصلاح الداخلي. فمصير الهند – وخيارها – هو الاستقلال. والحجم والديناميكية باتا أكثر أهمية من أي وقت مضى، لضمان شروط أفضل في الاتفاقيات، وتمويل الدفاع، وتحسين مستوى المعيشة، حتى لو تباطأت التجارة العالمية. وقد انتظرت الهند لسنوات إصلاحات كبرى، منها تحرير الأعمال، وإصلاح القضاء، وتحديث الزراعة، والأراضي، وتوزيع الطاقة.

ويتطلب الكثير من هذه الإصلاحات تعاونًا بين الولايات الهندية والحكومة المركزية. ومن المبشّر أن مودي أعلن مؤخرًا عزمه تبسيط ضريبة السلع والخدمات، وتحرير الاقتصاد، مؤكدًا على “إصلاحات الجيل القادم”. وبعد أحد عشر عامًا في الحكم، عليه أن يمضي قدمًا بوتيرة أسرع وأوسع. فمواجهة التحديات الداخلية العميقة لطالما كانت في مصلحة الهند الوطنية. وفي عالمٍ عدائي، هي أيضًا أفضل وسيلة للدفاع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *