حیدر سهیلی الإصفهانی

 في هذه الأيام يتردد الحديث عن احتمال إعلان الولايات المتحدة الحرب على إيران. ويرى العديد من المحللين أن هذه الحرب باتت أمراً لا مفر منه، غير أن توقيتها ما يزال خاضعاً لـ “الشروط والاحتمالات” المرتبطة بالوقت والمكان والقدرات. لكن السؤال الجوهري هو: ما الأهداف الحقيقية الكامنة وراء هذا الصراع المحتمل؟ وما العقبات التي تعترض طريق حربٍ، رغم شغف دونالد ترامب بخوضها، تبدو كبيرة ومخيفة إلى حدّ دفع الرئيس الأمريكي إلى تفكير عميق ومطوّل؟

الموضوع: حرص فريق ترامب على الحرب مع إيران

منذ الأيام الأولى لولايته الأولى، وتحديداً بعد مرور عام واحد، أقدم دونالد ترامب—بعد تمزيق الاتفاق السابق بين إيران والولايات المتحدة، أي خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) الموقعة عام 2015—على تبنّي قائمة صاغها رئيس وزراء إسرائيل. قائمة تُذكّر الإيرانيين بأكثر المعاهدات إذلالاً في تاريخهم مع روسيا، تلك التي وُقّعت في 21 فبراير/شباط 1828 (1 إسفند 1206 شمسي)، والمعروفة باسم معاهدة تركمانشاي.

في هذا الاتفاق المقترح، الذي يعكس بوضوح المطالب الإسرائيلية، يُطلب من إيران أولاً التخلي عن جميع أنشطة التخصيب النووي، وفي المراحل اللاحقة التخلي حتى عن أي نشاط نووي سلمي، أو القبول بشروط تؤدي عملياً إلى هذه النتيجة. وثانياً، يُطلب منها تدمير أي قدرات صاروخية تتجاوز المستوى الذي تراه إسرائيل مقبولاً—وهو مستوى يقتصر على الصواريخ القصيرة المدى جداً—ما يعني تجريد إيران من أي قدرة دفاعية في مواجهة أي عدوان مستقبلي.

أما المطلب الثالث، كما عبّرت عنه إدارة ترامب، فهو قطع العلاقات مع أي جماعة تحررية مناهضة لإسرائيل، أو ما تسميه الولايات المتحدة وإسرائيل “الجماعات الإرهابية التابعة لإيران”.

وبالنظر إلى هذه المطالب، يمكن لأي مراقب أن يتوقع السيناريو الذي يلي مثل هذا الاتفاق: اتفاق اليوم، وغزو لاحتلال إيران أو زعزعة استقرارها غداً.

وبطبيعة الحال، لم ترَ إيران—في ظل اتفاق يستند إلى المصالح الوطنية الأمريكية—أي ضرورة لأخذ المصالح الإسرائيلية الواسعة في الاعتبار. ولهذا السبب مزّق الرئيس الأمريكي الاتفاق السابق، واصفاً إياه بأنه “أسوأ اتفاق في تاريخ الولايات المتحدة”.

واليوم، وبعد سنوات من التهديدات، عاد ترامب ليضع الإنذار ذاته أمام الإيرانيين: مصالح إسرائيل أو لا شيء. ووفقاً لوسائل الإعلام الأمريكية، كان الرد الإيراني واضحاً: إذن لا شيء.”

وفي خضم ذلك، تجري مفاوضات في عُمان لا يبدي أحد تفاؤلاً تجاهها، ويرى كثيرون أنها مجرد عدٍّ تنازلي لاندلاع الحرب. ومع ذلك، ما يزال من المبكر إصدار الأحكام، لأن محادثات عُمان ليست مخرجاً لإيران فحسب، بل هي أيضاً مخرج لترامب نفسه.

الهدف: ضرورة هذه الحرب

عند تناول هذه المسألة، يمكن التمييز بين قضيتين: الأولى هي الخلافات بين إيران والولايات المتحدة، والتي—من وجهة نظر إيران والعديد من المحللين حول العالم، وكذلك الحزب الديمقراطي الأمريكي—تمت تسويتها عام 2015 عبر الاتفاق المعروف باسم JCPOA، والذي جرى تثبيته بأفضل طريقة ممكنة بما ينسجم مع المصالح الوطنية للطرفين.

أما القضية الثانية فهي مصالح إسرائيل واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، اللذان لعبا دوراً كبيراً في إيصال دونالد ترامب والعديد من أعضاء الكونغرس إلى السلطة، وهما يطالبان بتحقيق مصالحهما الخاصة.

ويتمثل هدف هذا الفريق الثاني في إسقاط الجمهورية الإسلامية وإقامة نظام موالٍ لإسرائيل وخاضع لها بالكامل، حتى لو بدا ظاهرياً خاضعاً للولايات المتحدة.

لذلك، فإن الهدف الأساسي لترامب هو هذا، سواء عبر تمهيد الطريق باتفاق مُذلّ يمزّق إيران على مراحل، أو عبر الضرب مباشرةً دون أي مقدمة أو خاتمة.

سيناريو محتمل لحرب أمريكية ضد إيران

يفكر دونالد ترامب في سيناريو مثالي للغاية.

طموحاته تشبه طموحات صبيٍّ يسعى إلى مصادقة فتاة ثرية، ثم الفوز بقلبها، ثم الزواج منها، ثم إدارة مصنع عائلتها. قد يكون هناك طريق لتحقيق هذه الأحلام، لكن تحقيقها بالكامل في الواقع أمر بالغ الصعوبة.

لنتخيّل ما يدور في ذهن ترامب بشأن نتائج هجوم على إيران:

ستقوم السفن الحربية الأمريكية بقصف شامل لمختلف أنحاء إيران، ثم يخرج أنصار رضا بهلوي—ولي العهد السابق الذي أُطيح به عقب استفتاء 1979 وقرار الجمعية الوطنية آنذاك—إلى جانب أنصار فصيل رجوي التابع لمنظمة مجاهدي خلق، إلى الشوارع للاستيلاء على المؤسسات الحكومية واحدة تلو الأخرى. وحيثما يواجهون مقاومة، تتدخل الطائرات الحربية الأمريكية والإسرائيلية وطائرات الناتو لسحقها.

في هذا السيناريو، يحدث انقلاب دموي واسع النطاق، يُقتل خلاله الآلاف، وقد يتطور إلى حرب أهلية شاملة—حرب “يحترق فيها القمح والزؤان معاً”. وبالطبع، هذا لا يهم الأمريكيين ولا الإسرائيليين ما دام الهدف هو تمزيق إيران.

عواقب انتصارٍ افتراضي

الآن، هل فكّر هو وحلفاؤه أيضاً في العواقب “الوردية” لهذا الانتصار العظيم؟ على سبيل المثال:

داخل إيران:

بعد وصول نظامٍ موالٍ لأمريكا وتحت إدارة إسرائيلية إلى السلطة في إيران، يضع الاتحاد الغربي عدة سيناريوهات محتملة، أحدها تقسيم إيران. ستُقسَّم البلاد إلى عدة كيانات، حتى لو بقيت صلة مركزية ضعيفة في طهران. الرابط الوحيد بين هذه الأجزاء سيكون القواعد العسكرية الأمريكية. وفي مخيلة المخططين، ستكون إحدى هذه القواعد قاعدة بحرية ضخمة في تشابهار، مرشحة لتكون أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة بأسرها. كما ستُقام قاعدة كبيرة في شمال خراسان قرب رابطة الدول المستقلة، وأخرى في شمال غرب إيران قرب نهر أراس، تطل مباشرة على القوقاز.

خارج إيران:

إن مجرد سقوط إيران سيضع روسيا في موقف بالغ الصعوبة.

سيعمل الأمريكيون فوراً على ضمّ جمهوريات أذربيجان وأرمينيا وجورجيا إلى اتحادٍ إقليمي جديد، شبيهٍ بحلف سنتو قبل عام 1979. وبعد ذلك سيبدأ التقدم نحو قلب الهارتلاند (آسيا الوسطى حتى حدود الصين)، وهي منطقة شهدت بالفعل نماذج من “الثورات الملوّنة”. وليس من الصعب ممارسة النفوذ على أفغانستان وتركمانستان وطاجيكستان عبر اتفاقيات اقتصادية مغرية، حتى دون تدخل عسكري.

ثم يأتي الدور على قيرغيزستان، التي توفر أرضية مواتية نسبياً، يليها السعي للتغلغل داخل أوزبكستان وكازاخستان—حيث تُعد الأولى أسهل مدخلاً—ثم تتحول كازاخستان إلى ساحة مواجهة مباشرة بين روسيا والولايات المتحدة.

فهل هذه مجرد أحلام يقظة؟ أم سيناريو بالغ الخطورة قد يجرّ الولايات المتحدة إلى تحدٍّ هائل؟ دعونا نتخيّل العواقب حتى لو تحققت هذه التصورات.

في مثل هذا السيناريو، حيث يبدأ تهديد كبير لروسيا من الجنوب، ما الذي سيحدث للجبهة الأوكرانية؟ ألن يُضطر الروس إلى تقديم تنازلات كبيرة للغرب من أجل تحرير هذه الجبهة؟

ومن يصدق أن دونالد ترامب، الذي وصل إلى السلطة بدعم اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، سيكون مستعداً الآن لتسليم مهد هذه الحركة—أوكرانيا—لبوتين على طبق من ذهب؟ فبعض قادة هذه الحركة يسافرون سنوياً إلى أوكرانيا لزيارة قبور شخصياتهم الدينية، بل إن بعضهم يقوم بالحج من إسرائيل إلى تلك المقامات الأوكرانية. ومن المؤكد أن الحفاظ على أوكرانيا يُعدّ أولوية قصوى لدى قادة هذه الحركة.

ولهذا السبب يُعتقد أن إهمال ترامب الظاهر لأوكرانيا في ألاعيبه السياسية ليس إلا مناورة لإرباك الاستراتيجيين الروس؛ وإلا فإن أوكرانيا هي الهدف الحقيقي، أما غرينلاند وما شابهها فمجرد ذرائع.

جدوى هذا السيناريو

هذا السيناريو يصلح لأفلام الخيال العلمي. فمجرد أن ترامب فكّر فيه يكشف أننا لا نتعامل مع فريق سياسي متطور. ومن الطبيعي ألا نتوقع خططاً أفضل من فريق يضم سياسيين عديمي الخبرة، وأن تُرهب تهديداتهم الأشخاص السطحيين. ومع أن كل شيء يبدو جاهزاً، فلماذا يتردد ترامب ولا يشنّ هجوماً مبكراً؟

يتضح من المقدمة الطويلة التي عرضتها أن المكاسب المحتملة للولايات المتحدة—في حال انتصارها—ستُخلّ بالتوازن الدولي بشكل خطير.

وجاء أول رد فعل في هذا السياق من فلاديمير جباروف، النائب الأول لرئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحاد الروسي، الذي شدد على أن أي غزو أمريكي محتمل لإيران أو ضربات صاروخية على أراضيها هو طريق مباشر إلى الحرب العالمية الثالثة. وقال هذا السياسي الروسي البارز للصحفيين اليوم الاثنين: آمل حقاً ألا يلجأ الأمريكيون إلى أعمال مثل الهجوم على إيران أو الضربات الصاروخية، لأن هذا طريق مباشر إلى الحرب العالمية الثالثة.”

وبعد قراءة المقدمة التي عرضتها، يتضح تماماً ما يقصده. فهو يشغل منصباً حساساً، ولا يجوز له تحت أي ظرف أن يتحدث خارج الإطار الرسمي للحكومة في موسكو. ومن عادة الروس تمرير التصريحات الخطيرة عبر مسؤولين من رتب أدنى، بحيث يمكن قولها دون أن تُنسب رسمياً.

أما تدفق الطائرات الصينية الثقيلة إلى طهران، ونقل الأنظمة الدفاعية المتطورة والرادارات لإقامة شبكة دفاع جوي قوية، فله تفسيرات عديدة. وفي السيناريو الذي عرضته، يمكن تخيّل الموقف الذي ستجد الصين نفسها فيه—ومهما كان هذا الموقف، فسيكون بالتأكيد بعيداً جداً عن أهدافها الاستراتيجية بعيدة المدى.

السيناريو المضاد لإيران

ننتقل الآن إلى تصور إيران للسيناريو المطروح:

في البداية، يجب النظر فيما إذا كان هذا مجرد سيناريو إيراني، أم أننا نشهد بالفعل تشكّل تحالف عسكري كبير—حتى لو لم يُعلن رسمياً—يلقي بظلاله على حلف الناتو. ومن المؤكد أنه إذا واجهت إيران خطر الإبادة، فإنها ستقبل بأي تنازلات، بما في ذلك منح قواعد لروسيا والصين على أراضيها وعلى السواحل الشمالية لبحر عُمان والخليج الفارسي. وقد تكون مثل هذه القاعدة مصدر إزعاج بالغ للولايات المتحدة، وربما تُنهي هيمنتها على الخليج الفارسي وبحر عُمان.

وبحسب السيناريو الإيراني، لنفترض أن أمريكا رضخت في النهاية لمطالب إسرائيل وحلفائها في واشنطن، وبدأت بإطلاق النار فجأة.

سيكون الرد الفوري الموعود هو استهداف جميع القواعد الأمريكية التسع في المنطقة. وفي الوقت نفسه، ستُستهدف السفن الحربية الأمريكية وناقلات النفط. وحتى هذه اللمحة المختصرة عن الردود—من دون احتساب دور القوات الحليفة لإيران—تشكل سيناريو ثقيلاً ومخيفاً.

فإذا انقسمت إحدى حاملات الطائرات العملاقة من طراز أبراهام لينكولن فجأة إلى نصفين أمام أنظار العالم، وغرقت ببطء في المحيط الهندي، فماذا سيكون موقف ترامب؟ لا شك أنه سيواجه مشكلتين كبيرتين:

  1. حتمية إعلان حرب شاملة.
  2. ضربة قاسية لهيبته أمام الكونغرس.

وإذا قامت الدفاعات الإيرانية الجديدة—على عكس التوقعات الأمريكية—بإسقاط الطائرات المهاجمة، مما يخلق وضعاً بالغ الصعوبة، فماذا سيفعل؟ هل سيدخل حرباً بلا مخرج واضح، حرباً قد تلتهم السنوات الثلاث المتبقية من رئاسته، وهو يواجه أزمة ديون خانقة؟ فحتى فيتنام بدت ذات يوم هدفاً سهلاً.

النقطة الأهم: الحرب الشاملة

لا توجد أي دولة مجاورة لإيران مستعدة لتسليم أراضيها للولايات المتحدة، بل قد تتحرك العديد من القوات شبه العسكرية في هذه الدول للدفاع عن إيران، تحت شعار “الجهاد ضد الكفار”. وستحوّل القدرات الصاروخية الإيرانية والطائرات المسيّرة أي محاولة إنزالٍ برمائي إلى كارثة إنسانية. فإيران بلد واسع، ولا يمكن عبوره بسهولة. وستكون مثل هذه الحرب صراعاً طويلاً، مرهقاً، ومدمّراً، وقد تتحول إلى حرب أكبر من حرب فيتنام. أما الدعم الروسي والصيني والكوري الشمالي فسيجعلها أكثر تدميراً وتعقيداً.

عواقب انتصارٍ إيراني افتراضي

إذا لم يتمكن دونالد ترامب، لأي سبب كان، من رفع هذه الصخرة الضخمة التي أمسك بها ورميها نحو هدفه، وقرر التراجع في منتصف الطريق، فما العواقب؟ هذه هي الرسالة التي حاول الشيخ خالد، وزير الدفاع السعودي، إيصالها لترامب في مفاوضات سرية، مختصراً إياها في جملة واحدة: ستصبح إيران شديدة الجرأة.”

لكن المسألة لا تتعلق فقط بجرأة إيران من وجهة نظر هذا المسؤول السعودي الشاب.

العاقبة الأولى ستكون ضربة قاسية لسمعة الولايات المتحدة. ويمكن القول إنها ستُعدّ بداية تراجع الهيمنة الأمريكية.

أما العاقبة الثانية فستكون تشكّل تحالف غير رسمي يشبه حلف وارسو، يقف في مواجهة حلف شمال الأطلسي.

والعاقبة الثالثة المهمة ستكون إنشاء قاعدة بحرية ضخمة قرب تشابهار، عند مدخل بحر عُمان، قاعدة مشتركة إيرانية–روسية–صينية، سترسو فيها بانتظام السفن الحربية الكبيرة من الصين وروسيا. وقد بدأ الحديث بالفعل عن تسميتها، بل وعن إنشاء رصيف خاص لتزويدها بالوقود.

ترامب وكابوس “اتخاذ القرار

في عام 2015، توصلت الولايات المتحدة إلى اتفاق بالغ الأهمية استناداً إلى مصالحها الوطنية؛ فقد أصبحت الترسانة النووية الإيرانية جزءاً من الماضي، ووُضعت آلية دقيقة لمراقبتها. وفي المقابل، أُنشئت آلية سليمة لإنتاج الوقود النووي، قادرة على توفير الطاقة المطلوبة، بما يسمح للشركات الأمريكية والغربية باستخدام إيران كنقطة انطلاق لتحقيق أرباح هائلة.

  • الطاقة النووية الوفيرة والصديقة للبيئة وفّرت أساساً ممتازاً للاستثمار الغربي.
  • إنشاء مراكز صناعية قرب بحرٍ من النفط والغاز والليثيوم والنحاس كان سيضيف قيمة هائلة للاقتصاد الأمريكي، ويُسهم في معالجة ديونه الثقيلة.
  • حجم الاستثمارات والأرباح في إيران كان سيجعل القوى الوكيلة غير ذات أهمية، أو غارقة في المكاسب إلى حد يمنعها من المغامرات المتهورة. ولم يكن الإيرانيون ليُفرّطوا في مكاسبهم الكبيرة لصالح “غزوات” بلا أساس. خاصة أن دعمهم لحركات التحرير كان في جوهره رد فعل على انسحاب ترامب من الاتفاق النووي، وقبل ذلك على ضغوط الشركات المستفيدة من استمرار العقوبات رغم الاتفاق.

لكن من الذي تضرر من ذلك؟

بالتأكيد إسرائيل. فإيران تقدّمية لا تسعى لعلاقات وثيقة مع إسرائيل، وكانت ستصبح عقبة رئيسية أمام الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة. وكان اقتصاد إيران الديناميكي سيؤدي إلى توسيع علاقاتها مع دول الجوار، ما كان سيُضيّق الخناق على إسرائيل تدريجياً، إلى حدّ دفعها إلى المحاسبة على كل عملية قتل ترتكبها بحق الفلسطينيين واللبنانيين.

المشكلة التالية لتحالف ترامب–نتنياهو هي أنه، خلافاً لعام 2015، أصبح اليوم معزولاً إلى حد كبير. حتى الدول الأوروبية التي تتظاهر بالدعم لن تلتزم فعلياً، لأن هذا الدعم ليس سوى محاولة لاحتواء ترامب غير المتوقع، فضلاً عن أن الدخول في حرب جديدة ذات عواقب مجهولة يُعد عبئاً لا يُحتمل بالنسبة لها.

وربما كانت الدول العربية آنذاك مستعدة للتعاون في حرب شاملة ضد إيران. فقد كانت “اتفاقيات أبراهام” رائجة، واعتقد كثيرون أنها ستغيّر وجه المنطقة. لكن اليوم، بعد سلسلة من التجارب المريرة—خصوصاً في غزة—ومع تحسن العلاقات بين طهران والعواصم العربية، تغيّر المشهد تماماً. الدول العربية التي كانت غاضبة من توقيع الاتفاق النووي باتت اليوم تقترح اتفاقاً مشابهاً.

لقد أصبحت المهمة شديدة الصعوبة بالنسبة لترامب، ولا تخدم زيارة نتنياهو إلى البيت الأبيض لإقناعه بشن هجوم—بعد تلك المكالمة المحمومة لوقف الحرب التي استمرت 12 يوماً مع إيران، وأخرى لتأجيل الضربة الأخيرة لأن إسرائيل لم تكن جاهزة—أي غرض سوى مواجهة رد فعل بارد من ترامب.

ترامب مشغول هذه الأيام بكثير من الهواجس، حتى أنه يفكر في مصيره ومصير عائلته بعد انتهاء رئاسته. فالقوات التي تخضع حالياً لقيادة طهران قد تصبح—في غياب الجمهورية الإسلامية—قوات انتقامية وخطيرة للغاية.

ويسأل نفسه الآن: ما قيمة ولاية ثانية إذا كان عليّ أن أدفع ثمناً باهظاً لضمان دعم اللوبي الإسرائيلي؟

صحيح أن جهوده الأخرى لعرقلة صادرات النفط الإيرانية قد تبدو صفقة تستحق المقايضة مع نتنياهو وحلفائه، لكنها أيضاً تواجه الكثير من العقبات والشكوك.

علينا أن ننتظر ونرى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *